الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
290
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بالانتفاء إلا أن دلالة التعليق على التوقف المذكور ليس بالوضع بل من جهة التعلق فيه بحسب العرف كما مر نظيره من انصراف الطلب إلى الوجوب فإذا قام دليل على عدم ثبوت المفهوم ظهر عدم كون التعليق هناك لإفادة التوقف بل لأمر آخر كما في قولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه وأكرم زيدا إن أكرمك وإن أهانك وكذا الحال في فروض الفقهاء في كتب الفقهاء حيث يراد به مجرد الفرض والتقدير إلى غير ذلك ولا تجوز حينئذ في شيء منها لحصول التعليق وربط إحدى الجملتين بالأخرى في الجملة الذي هو مفاد أدوات الشرط غاية الأمر عدم دلالتها على التوقف والإناطة وليس ذلك مما وضع له بخصوصه بل إنما يستظهر ذلك منه حين الإطلاق على الوجه الذي قررناه فإذا قامت قرينة على خلافه لزم الخروج عن مقتضى الظهور المذكور وهذا الوجه غير بعيد بعد إمعان النظر في ملاحظة الاستعمالات العرفية وظاهر المصنف التزام التجوز على ما يستفاد من ملاحظة دليله المذكور وهذا هو المتعين لو قيل بكون الدلالة على المفهوم تضمنية لكونه استعمالا للفظ الموضوع للكل في الجزء كما أنه يتعين البناء على الحقيقة لو قلنا بكون الدلالة عقلية حسبما مر رابعها المعروف بينهم عموم الحكم في المفهوم بمعنى انتفاء الحكم على جميع صور انتفاء الشرط ولا يظهر فيه خلاف بينهم سوى ما ذكره العلامة رحمه الله في المختلف في دفع احتجاج الشيخ للمنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه بقوله عليه السلام كل ما لا يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب حيث قال إنه يكفي في صدق المفهوم مخالفة المسكوت عنه المنطوق في الحكم الثابت فيه وحينئذ لا يدل الرواية على أن كل ما لا يؤكل لحمه لا يتوضأ من سؤره ولا يشرب بل جاز اقتسامه إلى قسمين أحدهما يجوز الوضوء به والشرب منه والآخر لا يجوز فإن الانقسام إلى القسمين حكم مخالف للمنطوق ثم أورد على ذلك بأنه إذا تساوى أحد قسمي المسكوت عنه والمنطوق في الحكم انتفت دلالة المفهوم والمفروض البناء على دلالته وأجاب عنه بالمنع من انتفاء الدلالة لحصول التنافي بين المنطوق والمفهوم بما ذكر وهو كاف في المخالفة وهو كما ترى صريح في البناء على عدم العموم في المفهوم وكلامه المذكور وإن كان بالنسبة إلى مفهوم الوصف إلا أنه بعينه جاز في مفهوم الشرط أيضا واعترض عليه بعض محققي المتأخرين بأن فرض حجية المفهوم يقتضي كون الحكم الثابت للمنطوق منتفيا عن غير محل النطق والمراد بالمنطوق في مفهوم الشرط والوصف ما تحقق فيه القيد المعتبر شرطا أو وصفا مما جعل متعلقا له وبغير محل النطق ما ينفي عنه القيد من ذلك المتعلق ولا يخفى أن متعلق القيد هنا هو قوله كل ما أي كل حيوان إذ القيد المعتبر هو كونه مأكول اللحم فالمنطوق هو مأكول اللحم من كل حيوان والحكم الثابت له هو جواز الوضوء من سؤره والشرب منه وغير محل النطق هو ما انتفي عنه الوصف وهو غير المأكول لحمه من كل حيوان وانتفاء الحكم الثابت للمنطوق يقتضي ثبوت المنع لأنه اللازم لرفع الجواز قال وإن فرض عروض اشتباه فلنوضح بالنظر إلى مثاله المشهور أعني قوله في سائمة الغنم زكاة فإنه على تقدير ثبوت المفهوم يفيد نفي الوجوب في مطلق المعلوفة بلا إشكال والتقريب فيه أن التعريف في الغنم للعموم وهو متعلق القيد أعني وصف السوم فالمنطوق هو السائمة من جميع الغنم والحكم الثابت له هو وجوب الزكاة فإذا فرضنا دلالة الوصف على النفي عن غير محله كان مقتضيا هنا لنفي الوجوب عما انتفي عنه الوصف من جميع الغنم فيدل على النفي من كل معلوفة من الغنم وأورد عليه بعض أفاضل المحققين بأن النافي لعموم المفهوم إنما يدعى أن اللازم للقول بحجيته هو اقتضاؤه نفي الحكم الثابت للمنطوق عن غير محل النطق على وجه يرفع الإيجاب الكلي فلا ينافي الإيجاب الجزئي وهو صريح كلام العلامة رحمه الله حيث قال وهو لا يدل على أن كل ما لا يؤكل لحمه لا يتوضأ من سؤره ولا يشرب بل جاز اقتسامه إلى قسمين فما ذكر من أن فرض حجية المفهوم يقتضي كون الحكم الثابت للمنطوق منتفيا عن غير محل النطق إن أراد به السلب الكلي فهو ممنوع كيف وهو عين النزاع وإلا فمسلم ولا يجدي نفعا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه قلت لا يخفى أن الموضوع في المثال المفروض هو كل حيوان والقيد المأخوذ فيه المعلق عليه الحكم المذكور هو كونه مأكول اللحم فيكون مفاد العبارة الحكم على كل واحد من الحيوان بعدم المنع من سؤره مع وصف كونه مأكول اللحم فقضية ذلك بناء على القول بالمفهوم ثبوت المنع بالنسبة إلى سؤر آحاد الحيوان مع انتفاء القيد المأخوذ فيه فمرجع هذا التعليق إلى تعليق الحكم في كل فرد لوجود القيد المذكور فيرتفع الحكم عن كل منها مع انتفائه وحينئذ فكيف يتصور القول بالاكتفاء في صدق المفهوم برفع الإيجاب الكلي نعم لو كان عموم الحكم وشموله للأفراد معلقا على الوصف المذكور صح ما ذكر لقضاء ذلك برفع ذلك العموم مع انتفائه فيكتفي في مفهومه برفع الإيجاب الكلي حسب ما ذكر لكن ليس مفاد المنطوق ذلك أصلا كما لا يخفى ثم إن توضيح الكلام في المرام يستدعي بسطا في المقام فنقول إنه قد يراد بعموم المفهوم شمول نفي الحكم الثابت للمنطوق لجميع صور انتفاء الشرط ووجوهه فيكون الحكم الثابت في صورة وجود الشرط منتفيا عن ذلك الموضوع على جميع صور انتفاء ذلك الشرط بمعنى عدم توقف انتفائه على قيد آخر بل بمجرد انتفاء الشرط المفروض ينتفي الحكم وقد يراد به شمول نفي الحكم لجميع صور الانتفاء بحيث يتكرر انتفاء ذلك الحكم بحسب تكرر انتفاء الشرط مثلا إذا قال إن لم يجئك زيد فلا يجب عليك إكرامه يكون مفاده على الأول أنه مع حصول المجيء كيف كان يجب الإكرام ولا يدل على تعدد الإكرام وتكرره بحسب تكرر المجيء وإن قيل بإفادته العموم على الوجه الثاني أفاد ذلك وأنت خبير بأن من الواضح المستبين عدم إشعار التعليق المذكور بالعموم على الوجه الثاني في المثال المفروض أصلا نعم قد يستفاد منه ذلك أيضا في بعض الصور والتفصيل أنه قد لا يكون المنطوق مشتملا على العموم أصلا لا في الاشتراط ولا في الموضوع ولا في الجزاء كالمثال المتقدم وقد يكون هناك عموم أما في الاشتراط نحو كلما أهانك زيد لم يجب عليك إكرامه وأما في الموضوع سواء كان استغراقا أفراديا كما في قولك كل ماء إن كان قدر الكر لم يتنجس بالملاقاة أو بدليّا كقولك أي حيوان إذا كان مأكول اللحم جاز الوضوء من سؤره وأما في متعلق الشرط نحو إن أتاك زيد في كل يوم من شهر رمضان فزره في العيد وأما في الجزاء المترتب على الشرط نحو إن جاءك زيد فأعطه كل ما عندك وإن كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء وفي هاتين الصّورتين قد يكون العموم استغراقا أفراديّا وقد يكون بدليا موضوعا للعموم كذلك أو يكون عمومه البدلي من جهة الإطلاق ويختلف الحال فيها حسب ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى فهذه وجوه خمسة أما الأول